سبتمبر 19, 2024
حلول جوهرية يطرحها خبراء مؤسسة قطر للموازنة بين المحتوى الرقمي الذي يُعرَض على الشباب وتأثيره على القيم والمعتقدات

ليس من المستبعد أن تتأثر نظرة الشباب للعالم بفعل التعرض لوسائل الإعلام والمحتوى العالمي، وهو ما من شأنه أن يضعف من ارتباطهم بأواصر ثقافتهم.
إلى ذلك، يُشير الدكتور كلوفيس بيرجير، المدير المساعد للأبحاث في معهد الدراسات المتقدمة في الجنوب العالمي بجامعة نورثويسترن في قطر، إحدى الجامعات الدولية الشريكة لمؤسسة قطر، إلى أن الهوية الثقافية للشباب وإدراكهم لذاتهم هو نِتاج البيئة التكنولوجية والثقافية والسياسية والمادية السائدة في مجتمعاتهم.
في هذا السياق، قال الدكتور بيرجير: «نعيش اليوم في فترة فارقة تضطلع فيها التكنولوجيا الرقمية بدور كبير؛ فالشباب يستخدمون هذه التقنيات على نطاقٍ واسع، الأمر الذي قد يفضي إما إلى تعزيز الروابط الثقافية أو، بالمقابل، إضعافها».
وأضاف خبير مؤسسة قطر: «أستطيع إحصاء العديد من الأمثلة التي تتعلق باستخدام الشباب للتقنيات الرقمية لاستكشاف ثقافاتهم ولغاتهم وتاريخهم بطرق تعزز تقديرهم لثقافاتهم. بالمقابل، هناك أمثلة أخرى شتى تُظهر، للأسف، استخدام الأشخاص- وحتى الروبوتات- للتكنولوجيا والوسائط التكنولوجية ليس فقط بغرض تشويه ثقافاتهم فحسب، بل أيضًا للحطِّ من ثقافات الآخرين وتشويهها».أكد دكتور بيرجير على أهمية تصميم وتعزيز التقنيات التي تشجع على التعدد اللغوي- بدلاً من الاعتماد على لغة واحدة للاطلاع على المحتوى الرقمي. وأبرز أن عامل اللغة يلعب دورًا حاسمًا في طبيعة وحجم المحتوى الذي يتصفحه الشباب عبر شبكة الإنترنت ومدى عمق التأثر به.
وقال بهذا الخصوص: «إن أجهزة الحاسوب والتقنيات الرقمية قادرة على دعم النصوص بمعظم اللغات في جميع أنحاء العالم؛ ومع ذلك فإن اللغة الإنجليزية، إلى جانب عدد قليل من اللغات الأخرى، ما تزال تهيمن على جزءٍ كبيرٍ من المحتوى المعروض على شبكة الإنترنت». من جانبه، سلط الدكتور محمود حسني، منسق البرامج الوطنية في أكاديمية قطر- السدرة، إحدى المدارس المنضوية تحت مظلة التعليم ما قبل الجامعي بمؤسسة قطر، الضوء على تأثير أُحادية اللغة في التقنيات الرقمية وتداعيات ذلك على الارتباط الثقافي للشباب.
وقال على سبيل التوضيح: «لقد اعتاد الشباب على استخدام اللغة الإنجليزية في وسائل الإعلام والتكنولوجيا والمنصات الإلكترونية، لدرجة أنهم فقدوا رغبتهم في التحدث باللغة العربية أو لغتهم الأم».
وأردف: «إن الإفراط في استخدام التكنولوجيا يعني أيضًا قبول عادات دخيلة، مثل الاحتفال برأس السنة الميلادية، أو عيد الهالوين، أو عيد الحب. قد يبدو هذا الأمر بسيطا وهينا في ظاهره- غير أنه في غياب إرشادات رصينة من قِبل الآباء والمعلمين، فإن ذلك قد يفضي إلى فك أواصر ارتباط الشباب بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة».
وباعتباره معلمًا، فقد عمد الدكتور حسني إلى استخدام التكنولوجيا لدعم حُجته. وهو ما عبر عنه بقوله: «تساعد المنصات التعليمية الإلكترونية، التي تعرض محتوى ثقافيًا وتراثيًا يراعي قيم وتقاليد المجتمع، الشباب العربي على فهم ثقافتهم وعاداتهم المتوارثة والانخراط في إبقاء جذوتها متّقدة وعصيّة على الاندثار. إن صنيعًا مثل هذا سيساعدهم على المواءمة بين تقاليدهم وقيمهم الأصيلة من جهة، وبين تقاليد وقيم الثقافات الأخرى التي يواجهونها في أماكن أخرى».
من جانبها، أشارت الدكتورة عزة عبدالمنعم، خبير بحوث الأسرة في معهد الدوحة الدولي للأسرة، عضو في مؤسسة قطر، إلى أن إشراك الوالدين يبقى مفتاح الحفاظ على الثقافة.
وقالت بهذا الخصوص: «لا نستطيع تجاهل الفوائد الناجمة عن استخدام التكنولوجيا وتطبيقها في مختلف المهام؛ بالمقابل نحن على يقين بأنه في غياب توجيه وتوعية من الوالدين، فإن الأطفال واليافعين يبقون معرضين لخطر الاستخدام المفرط لها وإساءة استخدامها».
وأضافت: «على الوالدين تتبع نوعية المحتوى الذي يتصفحه أطفالهم عبر شبكة الإنترنت؛ من واجبهم أن يتحدثوا مع أبنائهم بشأن طبيعة المحتوى الذي يرونه ويسمعونه عبر شبكة الإنترنت، وذلك لتعزيز نموهم كمفكرين ناقدين، ولوضع الأمور في سياق ثقافي يتوافق مع القيم والمعتقدات التي يسعون إلى تكريسها في منازلهم».
وتدعم الدكتورة عبد المنعم وجهة نظرها من خلال تقرير صادر عن معهد الدوحة الدولي للأسرة، بالتعاون مع باحثين من مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية «ويش» ومؤتمر القمة العالمية للابتكار في التعليم «وايز»، وجامعة حمد بن خليفة، التابعين لمؤسسة قطر، بعنوان: «الإفراط في استخدام اليافعين للتكنولوجيا الرقمية: وجهات نظر الآباء واليافعين والممارسين في قطر»، حيث أوضحت أهمية الدور الذي يضطلع به أولياء الأمور، مؤكدةً أن أسلوبهم في مجابهة هذا الوضع يبقى بالغ الأهمية لاتخاذ إجراءات ناجحة ذات الصلة.
وأظهرت الدراسة أن مصادرة الأجهزة الإلكترونية من الأطفال يعد استراتيجية غير فعّالة للسيطرة على استخدامها. فقد أدى إخفاء الأجهزة إلى دفع الأطفال إلى البحث عن طرق بديلة لمشاهدة المحتوى عبر الإنترنت، من بينها على سبيل المثال اللجوء إلى استخدام جهاز إلكتروني لأحد أصدقائهم. وأشار الأطفال في الدراسة إلى أن التهديد أو التنظير بشأن المحتوى الذي يتصفحونه كان أيضًا غير ناجعٍ، إذ فضلوا تبادل وجهات النظر فيما بينهم بدلاً من الأخذ برأي والديهم كأمرٍ غير قابل للنقاش.
ورأت الدكتور عبد المنعم: «أن إحدى الطرق الفعالة التي يُمكن للوالدين من خلالها منع الإساءة والافراط في استخدام التكنولوجيا هي تخصيص وقت ممتع للأسرة والأصدقاء».
وخلصت إلى القول: «إن المشاركة الأسرية المتمثلة على الخصوص في قضاء الآباء والأبناء وقتًا معًا في مناقشة المحتوى الذي يصلهم عبر الإنترنت يمكن أن تُعزز من التفاهم وتقوي الروابط الأسرية وارتباط الأبناء بهويتهم الثقافية. وعليه، فإن مشاركة الوالدين يبقى أمرًا في غاية الأهمية لتحقيق التوازن بين التعرض عبر الإنترنت لوجهات النظر العالمية والقيم والمعتقدات الثقافية الأصيلة».الدوحة










